كتاب مفاكرةمقالات

“أثر اللاوعي في تشكيل السلوك والقرار”


بقلم/المستشار د.عبدالإله محمد جدع

✅ تتباين الآراء حول شعور اللاوعي ومدى تأثيره وسيطرته على سلوك و قرارات الإنسان، وثمة رأي أن البشرَّ تُحرِّكهم قوى شعورية لا إرادية ليس لهم عليها إلا سيطرة قليلة وربما منعدمة وما يزال المفهوم واسع الانتشار،مما يعني أن نزعات العقل الواعي تصارع بشكل مستمرّ الرغبات الكامنة للاوعي، ومن خلال سيطرة فكرة اللاوعي المظلم في الثقافة الشائعة يتصوَّر الناس (اللاوعي) على أنه مكان نُخزّن فيه الأفكار والبواعث غير المريحة، لإعتقادنا بأن الأفكار الواعية تتحكم في أفعالنا،فإن لم تكن كذلك سيبدو أننا لا نملك السيطرة على حياتنا، غير أن هذه الصورة بعيدة تمامًا عن الصحة وحسب موقع المكتبة الرقمية العربية، تشير الدراسات الحديثة إلى أن العمليات الواعية واللاواعية لا تعمل بالضرورة بالتضاد، فلا منافسة بينهما للهيمنة على عقليتنا، وهما ليسا كنطاقين منفصلين، مثلما يقترح تصنيف فرويد بخصوص الأنا والهوى والأنا العليا، بل يوجد عقل واحد تتناغم فيه مؤثرات واعية وغير واعية،ونشهد على أرض الواقع أن أكثر أفكارنا وأفعالنا عقلانية تنتج بشكل رئيسي من عمليات لا واعية تلقائية فقد أظهرتْ بحوثُ العقل اللاواعي أن الدماغ يُصدر أحكاماً وقرارات بسرعة وتلقائية، ويصنع توقعاتٍ بشكل مستمرّ للاحداث في قابل الأيام المستقبلية طبقًا لنظرية “العقل المتنبّئ
✅وفي علم النفس ، تُعدّ نظرية العقل  (Theory of Mind)أحد فروع  العلوم الإدراكية (الاستعرافية)
وتتمثل بالقدرة على تمييز أو توقّع ما سيفعله الشخص نفسه أو أشخاص آخرون، غير أن للناس الآخرين معتقدات، ونوايا ورغبات وآراء مختلفة، وينشأ الوعي فقط عندما تفشل توقعات الدماغ الضمنية في التجسّد للعمليات الإدراكية العليا في القشرة المُخيّة فيمكن أن تحدث دون وعي، ومناطق الدماغ المسؤولة عن المشاعر والدوافع هي التي توجّه انتباهنا الواعي وليس القشرة المخيّة،وهي تعدّ من النظريات الفلسفية الحديثة المثيرة للجدل والنقاش لارتباطها بالآلة الدماغية المنتجة للأفكار وهي العقل البشري، وتاريخيًا فإن أول من أطلق مصطلح تلك النظرية هما العالِمان في مجال علم النفس ” ديفيد بريماك”و”غاي ودروف عام 1978م.”وهي أحد فروع العلوم الإدراكية التي تبحث في مدى قدرة المرء الذهنية على فهم ذاته وتكوين تصورات معينة عن الآخرين من خلال تكوين فرضيات أوتوقعات للتنبؤ بسلوكياتهم ونمط تفكيرهم وتفسيرها تلقائيًا، مع القناعة بأن كل شخص له كيان وتفكير مستقل خاص به، قد يتشابه في بعضه معه أو يختلف عنه بالكُّلية مما يعني أن هذه النظرية تقوم على مبدأ قراءة الأفكار كمهارةٍ ذهنية تعتمد على ربط وتحليل واستنتاج معلومات عن الآخرين مَبنية على سابق معطيات عنهم،و الاحتكاك بهم لمعرفة شخصياتهم و ثقافاتهم فضلا عن مواقف وأحداث مرّت بهم وردود أفعالهم ايجابية أو سلبية حيالها، وتحليل كل ذلك بطريقة منطقية استدلالية ومن ثم استنتاج ما يضمره الآخرون داخل أدمغتهم من أفكار ومخاوف ورغبات أو توقعات وهذا لا يعني المعرفة الكلية قطعاً بما يجري في عقول الآخرين بل هي أقرب ما تكون إلى المعرفة الظنّية الجزئية الموجِبة لقبولها كحقيقة في جانبي الخير أو الشر.. وبناء عليه تعدّ هذه النظرية مهارة من المهارات الاجتماعية بمعنى آخر، نظرية العقل هي المقدرة على تفسير أو توقع أفعال شخص آخر بشكل تلقائي وإدراك أنها تختلف عن أفعال الشخص نفسه، ويمكن أن يتصور الشخص نفسه في “أماكن أشخاص آخرين” للفهم والتنبؤ بأحاسيسهم أو أفعالهم،وتعتبر هذه النظرية جوهرية للحياة اليومية الاجتماعية البشرية إذ أنها أساسية لفهم، وتحليل، سلوكيات الآخرين
( بحث نُشر بجريدة الرياض في 23 مايو 2020م)
✅ثم ظهرت نظرية العقل التنبؤي التي خالفت نظرية فرويد في اللاوعي وصارت مقبولة على نطاق واسع وسُمّيت باسم نموذج “العقل التنبؤي، وتُقدَّم تلك النظرية بأشكال مختلفة، وتعني إجمالًا أن العمليات التلقائية تلعب دورًا مركزيًّا في العقل وهو ما يسمح لنا بالتنبؤ بالأحداث بسرعة ودقة حالما تنشأ ويعمل التعلّم والخبرة والوعي بشكل مستمرّ على تحسين توقعاتنا الضمنية أو غير الواعية، ولا نلحظ الأحداث إلا عندما تفشل التوقعات، أي أننا نصبح واعين بالظروف عندما تستحق اهتمامنا، وهذه التلقائية تُمكّننا من العمل بسلاسة داخل العالم، كما أن وعينا الذي يتحقق عندما تفشل التوقعات يُمَكِّننا من تجنب مشكلات المعالجة التلقائية ومن التكيّف مع المتغيرات في بيئتنا،على سبيل المثال تتنبأ العمليات اللاواعية بمسار الكرة المقذوفة إلينا، فنعدِّل حركة أطرافنا تبعًا لذلك، أما المعالجة الواعية فسيبدأ عملها إذا انعطفت الكرة بزاوية قائمة فجأة ومثل التصوّر الشائع عن العقل المليء بالصراعات، فإن منظور العقل التنبؤي ترجع جذوره إلى بدايات القرن التاسع عشر مع الطبيب وعالم الفيسيولجي هيرمان فون فهو أول من افترض أن النتائج التي نتوصل إليها تلقائيًّا ترتكز على الإدراك، على سبيل المثال، ينتج الجهاز البصري لدينا مثلثًا تخيليًّا عندما نرى ثلاث دوائر مقطوع منها شرائح وموضوعة بشكل معين، إذن آلية القيادة الذاتية للدماغ تتحكم في توجيه الوعي، وبالتالي فإن فكرة فرويد عن اللاوعي المُظلم الشهواني عفا عليها الزمن، وتُشير نظرية جديدة إلى أن الدماغ يُنتج تدفقات متصلة من التوقعات غير الواعية و يفترض نموذج العقل التنبؤي أن هذه التلقائية لا تُشكِّل إدراكنا فحسب، بل تشكِّل العمليات العقلية، بما فيها الأفعال والقرارات ، وقد تبدو واضحة كذلك في مجموعة من الظواهر الأخرى مثل الحركات التلقائية، والربط التلقائي، والقفز لإستنتاجات فورية(وهي مثال لما يسميه العلماء استدلالات ضمنية) وهذه الأمثلة تؤكد أن الدماغ يعمل على طول مسارات متعددة، مقارنة بالحاسوب فإن المادة الرمادية في أدمغتنا تعمل ببطء شديد، غير أنها تعمل على العديد من المستويات المتوازية
من شعري:
اِنس الإساءة وابْتسم مهما جَرى
فالفَرْح سِرّ نضارة الانسان

Print Friendly, PDF & Email

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى