كتاب مفاكرةمقالات

هوية المدن وطبيعتها العمرانية

لكل بلد من بلدان العالم، بل لنقل كل مدينة من المدن في العالم، حتى في الدولة الواحدة تختلف, كما تختلف طبائع السكان وتقاليدهم، باختلاف ألوان الشعوب ولغاتهم، ونجد ذلك في الاختلافات المتباينة في الأنماط والطرز المعمارية، فالفوارق والاختلافات بين مدينة وأخرى ومنطقة وغيرها،يبدو جليا تبعا لمتغيرات المناخ واختلافات الطبيعة الجغرافية.وهذا التنويع أو الإختلاف لا يقتصر على أمة دون أخرى أو منطقة دون غيرها.والغالب الأعم أن تكون الدول المتجاورة في حدودها وتشترك في طبيعة المناخ والتضاريس الجغرافية، تكون متقاربة ومتشابهة في أنماطها العمرانية، ولا تجد اختلافا كبيرا في اللغة والملبس والمأكل.

هذا ما نجده واضحا على سبيل المثال لا الحصر،في التشابه والتوافق الذي نجده بين سكان مدن المنطقة الشرقية في المملكة ودول الخليج العربي، ومدن مناطق الشمال مع دول الأردن والشام، وكذلك ما نلمسه من تشابه بين مدن المنطقة الجنوبية واليمن، وهكذا.حيث تتشابه الطرز العمرانية والمواد المستخدمة في البناء، والتصاميم الهندسية التي تكون متلائمة مع الطبيعة الجغرافية والعوامل البيئية والمناخية، وتكون طبيعية، تتوافق مع حاجات السكان ومتطلباتهم الإجتماعية والدينية والثقافية.ويذكر المؤرخون القدامى في كتبهم،أن الذي جعل منطقة الحجاز أكثر حضارة وازدهارا، أن المدن في الحجاز كانت، غير أن بها الأراضي المقدسة والحرمين الشريفين وما يقصدها من حجاج وعمار من كل فج عميق، أنها كانت محطات لقوافل التجار بين شمال الجزيرة العربية و جنوبها،في رحلات الشتاء والصيف،من الشام ومصر إلى اليمن والحبشة، ذلك لأن أسواق الحجاز من أبرز وأهم معالم مدنها وقراها،وكانت من أشهر أسواق العرب التجارية والأدبية والسياسية فيها،وتعتبر جزءا مهما من تاريخها.

 ولعلنا نأخذ مثالا حيا ومقنعا،حول إختلاف البيئة والطبيعة والتقاليد بين مدينة وأخرى حتى في الدولة الواحدة، فيما نجده من اختلافات في مناطق المملكة من حيث خصائصها العمرانية والطبيعة الجغرافية، ويتضح هذا الإختلاف ويظهرلنا جليا في الأنماط العمرانية، بشكل خاص في منطقتي نجد والحجاز مثلا في عهدهما القديم،حيث إن بيوت المدن في نجد، ذات طبيعة طينية وأزقة ضيقة، نظرا لطبيعتها الصحراوية الجافة، على عكس المدن الساحلية الرطبة، ولهذا صممت البيوت النجدية من أدوار محدودة ونوافذ قليلة وضيقة، وتكون المساكن في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف، فهي مختلفة لأن أدوارها متعددة وطرقها واسعة، وتتميز بيوت نجد بأحواشها وفناءاتها الداخلية، وتكسب طبيعة تلك المساكن خصوصية فريدة تتميزبها.وفي القرن الثامن عشر، إتسع العمران في الحجاز وازداد عدد السكان، نتيجة لزيادة الحجاج، وهجرة الكثيرمن العرب والعجم إلى مكة والمدينة ومدن الحجاز..وقد أفرزت هذه الهجرة عن تنوع شامل في العادات والمكتسبات الحضارية والثقافية.

Print Friendly, PDF & Email

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى