كتاب مفاكرةمقالات

“معيار التوازن في المشاعر وأثره على العلاقات”

بقلم المستشار/ د.عبدالإله محمد جدع

✅ تتباين حالات الناس وردودأفعالهم تجاه التعبير عن الأراء والمشاعر أوالحب في شتى العلاقات، وتلعب عوامل كثيرة دوراً في تكوين مخرجات النفس البشرية في التعامل والسلوك والتوجّه، فالناس يختلفون في درجة تلك المشاعر والتعبير عنها ومنحها مابين الإفراط والتفريط والتطرف أحيانا في الحب والكره، وهو غير منصوح به البَتّة، وعواقبه وخيمة في العلاقات،فكلما استطاع الإنسان ضبط موازين مشاعره وانفعالاته والتحكّم أوالإعتدال فيها كان ناجحاً موفقاً في مفهوم العلاقات العامة والإتصال بوجه عام مع من حوله في الأسرة والحب والزواج أو مجتمع الأعمال والأصحاب، وحسب تعريف
Wikipedia. Org
فإن الشعور أو  المشاعر Emotion تُعدّ تجربة واعية تتميز بالنشاط العقلي الشديد، وبدرجة معيّنة من المتعة  أو المعاناة حسب الإيجابية والسلبية، وقد انجرف الخطاب العلمي إلى معانٍ أخرى، غير أنه لا يوجد إجماع على تعريف المشاعر وغالبا ما تتشابك العاطفة مع الحالة النفسية أوالمزاج  والشخصية،كما يُعدّ الإدراك جانباً مهماً من المشاعر،وهي معقّدة بطبيعتها، ووفقاً لبعض النظريات،فإنها شكل من الإحساس الذي يؤدي إلى تغييرات جسدية نفسية تؤثر على السلوك، وترتبط فيسيولوجياً ارتباطًا وثيقاً بإثارة الجهاز العصبي مع اختلاف حالات وقوة الإثارة المرتبطة بعواطف مُعيّنةعلى سبيل المثال، وصفت (Peggy Thoits) المشاعر على أنها تتضمن مكونات فسيولوجية، أو ملصقات ثقافية أو عاطفية (مثل الغضب، والدهشة)، وردود أفعال جسدية تعبيرية، وتقييم المواقف والسياقات، ووفقا لبحث على موقع المرأة العصرية في سيدتي لابدّ أن تُحكِم السّيطرة على مشاعرك؛ فتجيد تقدير المسافة بين المشاعر الصّادقة واللّهفة المُهلكة، لتتعلّم كيف تُوازن بينهما “فلاتُسرِفْ؛ولا تُغدِقْ فَتَغرَقْ، ولا تُمسِك فَتَهلَكْ!!”
✅وإذا ما أخذنا مشاعر الحب على وجه الخصوص، نجد أنه من الكياسة والمهارة تعلّم الاتزان في التفاعل معه دون إفراط أو تفريط،، متى نحرص عليه ونلازمه ومتى نتركه حرّاً طليقاً يطير في محيطنا دون أن يفلت منا ويغادر عالمنا؟ثم كيف ومتى نُداعبه؟ فالحب مهم جداً وضروري ويكون التوازن فيه أن ترخي طرف الخيط ثم بلباقة تشدّه وتجذبه دون أن يشعر الطرف الآخر فيعود ملهوفاً إليك ! أما التكلّف والإغداق في المشاعر كالنقص والإهمال فيها ،ثم احرص ألاّ تكذب، واصدق القول ولا تعطي وعوداً في لحظات سعادتك إن لم تكنْ واثقاً منها قادراً على تنفيذها اجعل فِعلك يَسبق قولك،وقد أكّد الباحثون أن الحب الزائد على الحدود المعقولة هو معاناة للمرأة والرجل على حد سواء؛وثمة نفر كبير من النساء يُحببْن بشكل زائد عن الحد نظراً لطبع وتكوين الأنثى ورهافة إحساسها وتقديسها للمشاعر والحب وهذه المعاناة يمكن أن تتحوّل إلى عقدة مزمنة مترافقة بخوف دائم من المستقبل العاطفي على وجه الخصوص فالحب الزائد عن الحَد يورث خوفاً في القلب،لأنه يجعل المحب المفرط في مشاعره متخوّفاً من فقد من يحب أو تدنّي درجة حبه، وهو يورث بالتأكيد ضِيقاً وحصاراً ثم مللاً عند الطرف المحبوب كذلك تفعل الكراهية الزائدة عن الحَد التي تتحول إلى عدائية مستهجنة في العلاقات تسبّب المعاناة النفسية والروحية لصاحبها قبل الطرف الآخر المكروه، وتؤدي للتفكير الذي يتعب العقل ويتسبب في معاناة صاحبه وتوتره ،لكن أكثر هذه العواطف تأثيراً على الإنسان من حيث التسبب في معاناة متعددة الجوانب هي عاطفة الحب لأنها أقوى العواطف على الإطلاق، فالكراهية يمكن أن تزول عندما يبتعد الإنسان عن مصادر الكره والألم، ولكن من يحب بشكل يزيد على الحدود الصحية المعقولة يتألم حتى وإن كان بعيداً عن من يحب، فإذا كانت الكراهية عاطفة متقطعة؛ فإن الحب الزائد هو عاطفة متواصلة وقد أكّد باحثون برازيليون مختصون في علم الاجتماع أن عدم قدرة طرفي العلاقة الزوجية على تحديد ملامحها بسبب الحب الزائد يساهم في نشوء كثير من أنواع العلاقات المرضية غير الصحية بين الزوج والزوجة محذرين أن دخولها في هذه الدائرة المغلقة، يضيّق أفق التفكير؛ مما يحوّل كل شريك إلى توهان يفقد فيه بوصلة المشاعر الحقيقية، ومن ثم الاصطدام بالمشاكل
وعلى حدّ وصف علماء النفس والاجتماع للحالة بما يسمى”الحب المرضى” الذي يؤدي إلى ضعف الطرف المتطرف في الحب واستسلامه لرغبات وتحكم واستنزاف الطرف الآخر من غير تفكير منطقي، أو فهم للعلاقة الصحية
✅ وثمة مخاطر كثيرة في العلاقات بوجه عام والأسرية على وجه الخصوص بوجود مثل تلك المشاعر المتدفقة التي تجعل الطرف الآخر يصاب بالغرور وشعور العظمة وبأن ليس مثله في الزمان والمكان، وأنه لايمكن الاستغناء عنه فيُفرط في التدلّل والنفور او اللامبالاة وكلها ردود أفعال تصيب العلاقات في مقتل
ولنأخذ امثلة وفق نوعيات العلاقات، فعلى سبيل المثال نجد العلاقات حتى في بيئات الأعمال تُستغل فمثل ذلك المفرط في مشاعره النقيّ في قلبه والمقدّر للروابط والمُثُل والاخلاق غالباً ما يُعامل من الرئيس أو الزميل بالتجاهل والغرور اعتماداً على رصيد الموظف وتنازلاته فيمعنون في الغرور والاستهتار والنقد ويكون هو من صنع فيهم تمثال التعالي، وفي مثال الحياة الأسرية مع الاولاد والزوجة بوجه خاص نجد المزيد من الغرور والتجاهل واللامبالاة عند المحبوب بلا شرط وقيد ودون عطاء متبادل، ومزيد من الألم والمعاناة والحسرة عند الطرف المحب المتطرف في مشاعره، وليعلم الإنسان ويتنبه إلى أن الإفراط في العطاء يجعل الناس يستمرؤون إستغلاله ، كما أن الإفراط في التسامح يجعل الآخرين يتهاونون في حقه،كذلك المبالغة في الطيبة يجعلك تعتاد الانکسار،والإفراط في الإهتمام بالآخرين يعلمهم الإتكالية واللامبالاة والإهمال بل قد يصل عند بعضهم المرضى إلى الاستهتار والاستغلال
وقال علماء الاجتماع إن الحب يجب أن يكون ضمن الحدود المعقولة، أي متبادلاً على أساس من المساواة والندية مثل الميزان. وأضافوا: “لا بأس في أن تحب المرأة الرجل أكثر قليلاً بسبب تكوينها العاطفي المختلف عنه، ولكن إذا ما تحوّل الحب إلى سلاسل تربط لسانها وعقلها وحكمتها فإنها تصبح كالأسيرة، التي تنتظر فك الآخر لأسرها، وإعطائها الحرية التي لا تأتي بسهولة في أغلب الأحيان، فالمرأة التي تُحبّ بشكل زائد عن الحد المعقول، كثيرا ما تدفع في ذلك الاندفاع المزيد من التنازل والألم والخوف ثم المزيد من التجاهل والإهمال من الزوج، وأضاف العلماء: “قد يتحول الحب الزائد عن الحد إلى نوع من الهوس والوسواس فيصبح إدماناً نفسياً،ولابد للإنسان أن يدرك بأن من لا يريده أو ملّ منه أو تغيّر عليه لن يجدي معه أو يجذبه ويعيده حتى ولو فرش له الأرض ورداً وأشعل أصابعه احتفالا،وكلما زاد متابعة له وتقرّباً منه وحصاراً له زاد الآخر ابتعادا،، وفي تقديري إن الكرامة وعزة النفس أهم كثيراً من المشاعر وليس صحيحاً انها لايفترض أن تكون بين المحبين،، فالعلاقات لاتقوم الا على التفاهم والتفهّم والاهتمام والإحتواء والتنازل المتبادل وتلك هي مقومات ومعالم الحب الحقيقي فإن اختفت غادر الحب
من شعري:
لا تُرخص النفسَ فالإرخاصِ إذلال
من باع ودّك لا يدنيه إقبال

Print Friendly, PDF & Email

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى