كتاب مفاكرةمقالات

“سامحني يا أبي والله إنّي أحبّك”


بقلم المستشار/ د.عبدالإله محمد جدع

✅لقد حالت الظروف عندي- فضلا عن احترازات التباعد الواجب اتباعها هذه الأيام بسبب الوقاية من تفشي الكرونة- حالت دون حضوري لتقديم واجب العزاء في وفاة والدهم صديقي العزير غفر الله له فاضّطررت للاتصال بأكبر أبنائه وإخوانه لتقديم واجب العزاء ومواساتهم في مصابهم الجَلل ورتبت موعدا أزورهم فيه فيما بعد دون تزاحم، فمن ذاق شعور فقد الوالدين أو أحدهما يدرك تماماً حجم الحزن وألم الفراق وتصارع الذكريات داخل المرء التي ما تلبث بعد وفاة أحدهما أن تقفز إلى جدار الذاكرة والوعي وتنبش في ذكريات الماضي القريب والبعيد؛ ويبدأ في المرور عليها؛ هنا كان يجلس معي ويساهرني وهناك يمرّضني، كان يدخل غرفتي ويطمئن عليّ ويسألني هل صلّيت،، كنتُ أحسّ به يُغطّيني إذا تكشّفت حتى لا تصيبني برودة التكييف بسوء واذكر جيداً ذلك اليوم حين حضر معي ورافقني وضَمّني وأنا خائف في أول يوم ابدأ فيه حياتي الدراسية وكنت مطمئناً بوجوده، وكم فرح بنجاحي وآزرني عند تعثّري وكم توكأت عليه حتى لا أسقط على الأرض صغيراً أو في معترك الحياة كبيراً، إنها ذكريات تقفذ للذاكرة وتفتح الملفات، وفيها الجميل الذي يفخر به ويحمد الله عليه وفيها الذي يتألم كلما تذكّره حين اغضبه أو رَدّ عليه بجفوة، أو تجاهل نداءه أو كان سبباً في سقوط دمعة من عينه، بعد الموت فقط تتفجر تلك الأحاسيس عن المواقف والأحداث عند البعض، وينكفيء الإبن أو الابنة على من فَقده ودموعه تكاد تشتعل من الحزن عليه، وألم الفراق قاسٍ جداً لايعرفه إلا من جرّبه، ولسان حاله يلهج بالقول: سامحني يا أبي والله إني أحبّك !!وهيهات يسمعه أو يرد عليه،، إنّها لحظات عصيبة لن ينساها الإنسان طِوال عمره!! فالموت هو اليقظة الحقيقية بعد لهث الدنيا والسُباتِ في أحلامها ثم مواجهة الواقع والمصير!!!
اتّصلت على إبنه البِكر ودار بيننا حديث وكأن اتصالي به قد نكأ الجراح فهو يعلم ويذكر ما كان بيني وبين أبيه يرحمه الله من وُدّ وذكريات، فلهج بالبكاء وأطلق الحزن لسانه فسَردَ ماسَرد وبدأ يردّد عبارات تتردّد دوماً على لسان من فقد والديه أو أحدهما، ليتني،،وليتني بقيت البارحة بجانبه قبل أن أذهب لغرفتي وتركت أمي بجانبه، وليتني حضرت من السفر حين قال لي وحشتني وليتني وليتني،، إنها أمنيات تُطلقها ألسنة الأبناءِ والبنات بعد الوفاة ولا تتحقق،،!! فعقارب الساعة لن تعود للوراء أبداً وتذكرت ليلة وفاة أبي يرحمه الله فقد كُنتُ بجانبه مع شقيقتي الكبرى ليلة وفاته الرابعة عشر من شعبان، فنضع على جبينه كَمّادات الماء البارد ونمسح أرجله بأيدينا ونقبّلها ونساهره ثم نحاول تذكيره بالشهادة وذكر الله، ونهوّن عليه سكرات الموت، وأذكر جيداً نظرته إلي كأنه يريد أن يخبرني بشيء..ولا شيء فقد حالت السكرات دون ذلك فتتساقط الدموع من عيني ولا أتمالك نفسي،، وقبيل الفجر خرجتُ لأصلي وبينما أنا في فِناء داره الخلفي قبل ركوبي السيارة وإذا بأمّي تناديني فصعدت أستبق الخطى، وكانت شقيقتي تَبُلّ ريقه بماء زمزم حتى لفظ أنفاسه، فبكيت ندماً وردّدت في نفسي؛ ليتني ما تركته تلك اللحظة وكنت بجانبه! سامحني يا أبي والله إني أحبك، رغم أنني والفضل والمنّة لله كنت قريباً منه دوماً وبذلتُ جهدي لأسعده بأخبار طيبة ،خاصة عن دراستي وطباعة آخر ديوان شعرٍ له وهو في مرض موته وكان سعيداً مُمتناً، تذكّرت كل ذلك حين مواساة أبناء صديقي يرحمه الله ويغفر له ويسكنه فسيح جناته
✅لقد وجدت في ذلك فرصة لطرق موضوع على درجة كبيرة من الأهمية،، فالكثير من الأبناء والبنات اليوم إلاّ من رحم الله تَسرقهم زينة الدنيا وحبّها وحياتهم اليوم ملأى بما لم يكن متاحاً منذ زمن فشوّهت المغريات صفحات الروابط الأسرية التي كانت قوية متينة ثابتة راسخة في الزمن الماضي القديم الجميل، وتبدّل الحضور بالاتصال، والجفاء بالوصال، والاعتذار بالأسفار، وحُبّ المال قبل السؤال عن الحال وتغيرت الوشائج والأحوال وأعمتْ – بهارج الدنيا، وتأثير رفقاء وأهل السوء من حَوْلهم- أبصارهم فلا يصحون إلا بعد فوات الأوان، رغم أن برّ الوالدين يُعدّ في كل الشرائع من أفضل الطاعات، وأعظم القربات إلى الله تعالى؛ لأنّهما سبب وجود الإنسان على وجه الدنيا بأمر الله، وقد أفنيا عمريهما في تنشئته ورعايته وتعليمه
وبذلا الكثير في سبيل سعادته فيتعبان ليرتاح ويسهران لينام، وجزاؤهما عند الله،، من أجل ذلك كلّه حرص الإسلام على تأكيد حقّ الوالدين وإكرامهما، فهما أحقّ الناس بحسن صحبة الإنسان في حياته، قال جلّ في علاه : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً”} الآية وانظروا إلى اللفظ القرآني، اخْفض لهما جناح الذل من الرحمة(أفٍّ)، فالذلّ في حضورهما عزة والتعب في خدمتهما راحة، والامتثال لأمرهما سعادة ولا يفطن لذلك إلا التقي والحقوق كثيرةٌ جداً، منها: تلبية أوامرهما وعدم مواصلة من لايحبانه أو يعاديهما ، والتواضع لهما، وخفض الصوت أثناء محادثتهما، وهذا الحق أوجب حين كبرهما كما نصّت الآية الكريمة، ثم إنْ توفاهما الله -تعالى- فلا يَغفل عن بِرّهما؛ فيدعو لهما بالرحمة والمغفرة، وقد كان من تعظيم رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم لمنزلة الوالدين أن عَدّ عقوقهما من الكبائر، حيث قال: (ألا أنبِئُكم بأَكبَرِ الكبائرِ؟ قُلنا: بلَى يا رسولَ اللَّهِ،قالَ: الإشراكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالدينِ)، وحتى ولو أشركا فلايطاعا ولكن يصاحبهما بالمعروف فانظروا معنى الصحبة في القاموس قال تعالي (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)،
﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}
وكما تلاحظون فإن الله قد أمَر بالبرّ لكليهما، والآيات بيّنات فلا تجاهل لأحدٍ على حساب الآخر!! كان الزبير بن هشام شديد البرّ بأبيه، حتى إنّه كان إذا جيء بالماء في يوم حارٍ ليشربه، فوجده بارداً لم يشربه، وأرسله إلى أبيه،، وعن أبي عَبْد الرَّحْمَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخطَّابِ، رضيَ اللهُ عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرةٌ مِنَ الْجبلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله تعالى بصالح أَعْمَالكُمْ قَالَ رجلٌ مِنهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ، وكُنْتُ لاَ أَغبِقُ قبْلهَما أَهْلاً وَلا مالاً  فنأَى بِي طَلَبُ الشَّجرِ يَوْماً فَلمْ أُرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا فَحَلبْت لَهُمَا غبُوقَهمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِميْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقظَهمَا وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِى أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ وَالصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمي فَاسْتَيْقظَا فَشَربَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَة، فانْفَرَجَتْ شَيْئاً.. الحديث)وفيه دلالة واضحة على أثر برّه بأبيه وما فرّج الله به من قَدرٍ عليه بسببه،،سامحني يا أبي والله إني أحبك وهذه نصائح للجميع وليس للأبناء فحسب فالموت يخطف كل يوم من حولنا القريب والبعيد والعدو والصديق والجار والرفيق، دون سابق تنبيه أو تحذير، وبعدها تصحو الضمائر وتلين القلوب وتذرف العيون الدموع، ولن يجدي كل ذلك أبداً فقد انقطع العمل وفات الأمل في وقت التسامح والاعتذار وردّ الحقوق والاعتبار،، وسيكون الحساب والامتحان هناك بعد فوات الأوان، يوم لاينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم ولا حول ولا قوة الا بالله
من شعر:
فالله يُمهل ليسَ يُهْمل ذرة
وغداً قَضاءٌ والحسابُ يَطالُ

Print Friendly, PDF & Email

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى