كتاب مفاكرةمقالات

«دوام الحال من المحال»

د. فهد مصطفى السحلي

يدرك العقلاء من الناس ان تقلبات الحياة لا تتوقف عند باب أحد من البشر، فهي لا تجامل احدا على حساب احد، فكما تعطيك ستأخذ منك وكما تسعدك يوما فأنها ستشقيك أياما اذا ركنت اليها ، ولأن حياتنا في هذه الدنيا ولحكمة يعلمها الله تكمن في تقلب احوالها الا هناك من يظن ان الدنيا يجب ان لا تتغير ولا تتبدل وهو امر يكاد أن يكون مستحيلا، فقد تعطيك الدنيا المال وتأخذ منك الصحة وراحة البال، وقد تعطيك كل ما حلمت به في حياتك من جاه ومناصب وأموال وأولاد حتى تظن أنك قد ملكت الدنيا وما فيها ولكن لا يدوم ذلك طويلا  فقد تصبح أو تمسي وقد خسرت كل شيء إما لنازلة من النوازل أو لان هادم اللذات ومفرق الجماعات قد اتى لك أو لعزيز عليك على حين غفلة فلم ينفعك كل ما جمعت أو حصدت في حياتك.

ولحكمة أرادها الله فإن المرء لو استمر يعيش على مستوى ثابت وبحياة مادية خالية من قوة الايمان ودون وجود منغصات فقد يصاب بأمراض مختلفة كما يحدث في كثير من البلدان المتقدمة التي يجد فيها الشخص كل ما يريد من متع الحياة ورفاهية في كل المجالات ومع ذلك يلجأ في لحظة ضعف للتخلص من حياته بالانتحار من خلال تناول جرعات عالية من المخدرات فيجدوه منتحرا بجوار حانة دون وجود سبب منطقي يدفعه لذلك فلا هو محروم ماديا ولا هو محروم اجتماعيا ولا ينقصه المنصب او الجاه ولكنه يعيش حياة مادية فارغة بلا معنى ويفتقد للايمان ولا يؤمن بوجود خالق مدبر لهذا  الكون. .

 وإذا كان هناك من يظن اما لجهل منه أو لضعف في ايمانه إن حياته يجب ان تستمر على مستوى واحد دون تبديل أو تغيير فهو واهم، فالدنيا ليست الجنة فهي متقلبة الأحوال ففيها اليسر والعسر، وفيها الغنى والفقر، وفيها الصحة والمرض، وفيها السعادة والشقاء وفيها الوصول للقمة والسقوط منها وفيها الارتقاء والانكسار ولهذا فإن الفئة التي تظن أنها في مأمن من تقلب الأحوال ولا تفترض أسوأ الاحتمالات فإنها كثيرا ما تصاب بالصدمات النفسية العنيفة حال تغير احوالهم فأي عارض في حياتهم قد يجعلهم يصابون بالإنهيار وبحالة من عدم الرضا  فتنقلب حياتهم الى جحيم لايطاق لأنهم لم يتعودوا على مواجهة وتقبل المصاعب وهموم الحياة، وفي الغالب فان هذه الفئة من البشر إما أنها نشأت وتربت في بداية حياتها ولفترات طويلة على الحياة الرغيدة والسهلة وإما أنهم لم يعانوا كما عانى بقية الناس ثم استمرت حياتهم تسير على مستوى ثابت وفجأة  وفي مرحلة متأخرة من حياتهم انقلبت احوالهم رأسا على عقب فضاعت الأموال وخسروا الجاه والأصدقاء فأصيبوا بالخوف والصدمة والانهيار لأنهم لم يضعوا في حسبانهم احتمال الخسارة وانقلاب الأحوال من اليسر إلى العسر فسقطوا دون ان يستطيعوا العودة مرة أخرى بعكس أولئك الذين بدأوا حياتهم في كفاح وحفروا بالصخر وجربوا الفقر وأنواع المصاعب والعقبات والحرمان وعرفوا مر الحياة قبل حلوها  فحتى لو تعرضوا للسقوط  فهم قادرون على النهوض مرة أخرى لقوة ايمانهم ومعرفتهم بوجود خالق هو الذي يدبر امورهم واعلم بهم من انفسهم  ،ولهذا فالعاقل من يدرك ان الدنيا ليست دار بقاء وانما هي دار فناء واختيار وابتلاء ودوام الحال بها هو من المحال.

*وقفة *

دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَل مَا تَشَاءُ  

وطب نفساً إذا حكمَ القضاءُ

وَلا تَجْزَعْ لنازلة الليالي

فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ

وَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرورٌ

  ولا بؤسٌ عليك ولا رخاءُ

“الامام الشافعي”

Print Friendly, PDF & Email

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى